ابن تيميه
174
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
إليها وهو السفر ، فجعلته متناقضا . وكذلك قلت بعدها : « لأنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم الدين والفتوى المشتهرين بالزهادة والتقوى ، الذين لا يعتدّ بخلاف من سواهم ، ولا يرجع في ذلك لمن عداهم ، ونقل عدم الجواز - إن صح نقله - عمن لا يعتمد عليه ولا يعتد بخلافه ولا يعرج عليه » . فإذا كان قد نقل الجواز عن هؤلاء ؛ وهو جواز السفر للزيارة ، فكيف يحكى عنه أنه جعل كل زيارة القبور معصية محرمة مجمعا عليها ؟ هذا هو التناقض . ثم نسبته إلى التناقض وأنت المتناقض ، فقلت : « ثم قال في آخر كلامه : إن ما ادّعاه مجمع على أنه حرام . وهذه مناقضة لما تقدم منه في الكلام ، فليت شعري حين قال هذا أكان به جنة أم أدركته من اللّه محنة » ؟ فيقال لك : المستحق للطعن في عقله ودينه من جعل المستقيم أعوج ، وزاغ عن سواء المنهج ، وتناقض فيما يقول ، وجعل غيره هو المتناقض ، كما قيل في المثل السائر : « رمتني بدائها وانسلّت » . ولكن أهل البدع المخالفين لما جاءت به الرسل يضاهئون أعداء الرسل الذين نسبوهم إلى الجنون ، قال تعالى : كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [ الذاريات : 52 ] ، وقال تعالى عن قوم نوح : وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [ القمر : 54 ] ، وقال فرعون : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [ الشعراء : 27 ] ، وقال تعالى : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [ الذاريات : 6 ] . فيقال : لفظ الجواب : أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين ، فهل يجوز له قصر الصلاة ؟ على قولين معروفين . وقوله : من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء ؛ احترازا عن السفر المشروع ، كالسفر إلى زيارة قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، إذا سافر السفر المشروع فسافر إلى مسجده وصلّى فيه ، وصلّى عليه ، وسلّم عليه ، ودعا وأثنى كما يحبه اللّه ورسوله ؛ فهذا سفر مشروع مستحب باتفاق المسلمين ، وليس فيه نزاع ، فإن هذا لم يسافر لمجرد زيارة القبور بل للصلاة في المسجد ، فإن المسلمين متفقون على أن السفر الذي يسمى زيارة لا بد فيه من أن يقصد المسجد ويصلّي فيه ، لقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه » . ولقوله : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا » . والسؤال والجواب لم يكن المقصود فيه خصوص السفر إلى زيارة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فإن هذا السفر على هذا الوجه مشروع مستحب باتفاق المسلمين ، ولم يقل أحد من المسلمين إن السفر إلى زيارة قبره ، محرم مطلقا ، بل من سافر إلى مسجده وصلّى فيه ، وفعل ما يؤمر به من حقوق الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ؛ كان هذا مستحبا مشروعا باتفاق المسلمين ، لم يكن هذا مكروها عند أحد منهم . لكن السلف لم يكونوا يسمون هذا زيارة لقبره ، وقد كره من كره من أئمة العلماء أن يقال : زرت